أحمد أمين
85
كتاب الأخلاق
للقدر يتصرف فيه كما يشاء ، وقل ما يعيش منها ، فإذا رقينا إلى الأسماك مثلا رأينا منها ما يختار المكان المناسب لبويضاته وكيف يحرس بيضه ويحفظه مما يتعدى عليه ، ثم إذا رقينا الطيور رأيناها تبني عشها لبيضها وترقد عليه ، فإذا أفرخ أمدت صغارها بالغذاء حتى تستطيع الاعتماد على نفسها . ولا تزال ترتقي هذه الغريزة ( غريزة حفظ النوع ) حتى نصل إلى الإنسان المتوحش فالمتمدين ، فهو أكثر عناية بأولاده يربيهم مدة أطول من مدة الحيوان ، لأن حياة الإنسان أكثر تركبا . وقد شوهد أن رقي الإنسان في المحافظة على نوعه يسير جنبا لجنب مع المحافظة على شخصه ، فدرجات المحافظة متقاربة ، كلاهما ينشأ ساذجا بسيطا ثم يرقى . * * * يستنتج من ذلك كله أن الحيوان يكون أقرب إلى الكمال كلما كانت نفسه واستعداداته معدلة على حسب ما يحيط بها ، فكل عمل يعمله الإنسان إما أن يجعله في وفاق مع من حوله من الظروف ، ويجعل حياته وحياة نوعه أغنى وأسعد ، وإما أن يكون العمل لا يتفق مع ما يحيط به ويجعل حياته وحياة نوعيه أفقر وأشقى ، فما كان من النوع الأول فعمل طيب والتخلق به حسن وخير ، وما كان من النوع الثاني فقبيح وشر . ولما كانت الأعمال كثيرا ما تمتزج فيها اللذة بالألم كان خير الأعمال ما كان أقرب إلى اللذة الصافية ، وحياة الناس إلى الآن لم تبلغ الكمال ، ولكنها سائرة إليه تبعا لسنة النشوء والارتقاء ، ويجب على الناس أن يساعدوا هذا السير - بتعديل أنفسهم حسب ما حولهم من الظروف - حتى يسرعوا في البلوغ إلى الكمال « 1 » . ترى من هذا أن مذهب سبنسر يتخذ مقياس العمل « تعديل النفس على وفق ما يحيط بها من الظروف » ، فالمعاملة حير إذا سببت لذة أو سعادة ، وإنما تكون كذلك إذا كانت ملائمة لما يحيط بها ، وبعبارة أخرى إذا كانت في وفاق مع ما حولها ، والمعاملة تكون شرا إذا سببت ألما ، وإنما تكون كذلك إذا كانت لا تتفق
--> ( 1 ) انظر كتاب ( سبنسر scihtE fo etaD ( .